الشيخ محمدجواد البلاغي النجفي
17
آلاء الرحمن في تفسير القرآن
الفصل الثاني في جمعه في مصحف واحد لم يزل القرآن الكريم بحسب حكمة الوحي والتشريع والمصالح والمقتضيات المتجددة آنا فآنا يتدرج في نزوله نجوما « 1 » الآية والآيتان والأكثر والسورة . وكلما نزل شيء هفت اليه قلوب المسلمين وانشرحت له صدورهم وهبوا إلى حفظه بأحسن الرغبة والشوق وأكمل الإقبال وأشد الارتياح . فتلقونه بالابتهاج وتلقوه بالاغتنام من تلاوة الرسول العظيم الصادع بأمر اللَّه والمسارع إلى التبليغ والدعوة إلى اللَّه وقرآنه . وتناوله حفظهم بما امتازت به العرب وعرفوا به من قوة الحافظة الفطرية وأثبتوه في قلوبهم كالنقش في الحجر . وكان شعار الإسلام وسمة المسلم حينئذ هو التجمل والتكمل بحفظ ما ينزل من القرآن الكريم . لكي يتبصر بحججه ويتنور بمعارفه وشرائعه وأخلاقه الفاضلة وتاريخه المجيد وحكمته الباهرة وأدبه العربي الفائق المعجز . فاتخذ المسلمون تلاوته لهم حجة الدعوة . ومعجز البلاغة . ولسان العبادة للَّه . ولهجة ذكره . وترجمان مناجاته . وأنيس الخلوة . وترويح النفس . ودرسا للكمال . وتمرينا في التهذيب . وسلما للترقي . وتدربا في التمدّن . وآية الموعظة . وشعار الإسلام . ووسام الإيمان والتقدّم في الفضيلة . واستمرّ المسلمون على ذلك حتى صاروا في زمان الرّسول يعدون بالألوف وعشراتها ومئاتها . وكلهم من حملة القرآن وحفاظه « 2 » وإن تفاوتوا في ذلك بحسب
--> ( 1 ) ولا بد من أن تكون كتب الوحي والدعوة والتشريع جارية في كمالها على منهاج هذه الحكمة . ومما يشير إلى ذلك ان التوراة الرائجة تذكر ان نزول التوراة على موسى عليه السلام كان من زمان تكليمه من الشجرة متدرجا بحسب الأزمان والحوادث والتاريخ والحكم في التشريع إلى حين وفاته بعد التيه عند عبر الأردن ومتراخيا في أكثر من أربعين سنة . فانظر في شرح هذا المجمل إلى المقدمة الثانية من الجزء الأول من كتاب الهدى صحيفة 9 إلى 12 . ( 2 ) اخرج ابن سعد وابن عساكر عن محمد بن كعب القرضي قال جمع القرآن اي حفظا في زمان النبي ( ص ) خمسة من الأنصار معاذ بن جبل وعبادة بن الصمت وأبي بن كعب وأبو أيوب الأنصاري وأبو الدرداء . واخرج ابن سعد ويعقوب بن سفيان والطبراني وابن عساكر عن الشعبي قال جمع القرآن على عهد رسول اللَّه ( ص ) ستة من الأنصار أبي بن كعب وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وأبو الدرداء وسعد بن عبيد وأبو زيد وكان مجمع ابن جارية قد أخذه كله إلا سورتين أو ثلاثة . وأخرج ابن عساكر عن محمد بن كعب القرضي قال كان ممن ختم القرآن ورسول اللَّه حي عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعبد اللَّه بن مسعود . واخرج عن انس قرأ القرآن على عهد رسول اللَّه ( ص ) معاذ وأبي وسعد وأبو زيد . وأخرج الحاكم في الصحيح على شرط البخاري ومسلم عن زيد بن ثابت قال كنا عند رسول اللَّه ( ص ) نؤلف القرآن من الرقاع . وفي رواية حول رسول اللَّه نؤلف القرآن « فانظر إلى كنز العمال ومنتخبه اقلا » ولم اذكر هذه الروايات احتجاجا بها للحقيقة المعلومة ولكن لتجبه بالمعارضة بعض الروايات الشاذة الواردة في خلاف ما ذكرناه من حفظ المسلمين في عصر النبي وبعده للقرآن الكريم .